السعيد شنوقة
390
التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة
ورجل ممسوس وهذا أيضا من زعماتهم ، وأن الجني يمسه فيختلط عقله ، وكذلك جن الرجل معناه ضربته الجن ، ورؤيتهم لهم في الجن قصص ، وأخبار ، وعجائب » « 1 » . وهو لا يصدق ما تذهب إليه العرب في أن الجن تستهوي الإنسان عند قوله سبحانه وتعالى : كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرانَ [ الأنعام : 71 ] . وقوله عز وجل : فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ [ البقرة : 244 ] تقضي عند الزمخشري : « لمن استوجب المغفرة بالتوبة مما أظهر منه أو أضمر وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ [ البقرة : 244 ] ممن استوجب العقوبة بالإصرار » « 2 » ، ويمتنع على قاعدته الاعتزالية عقلا أن يؤخذ المكلف بالخطإ والنسيان لأنه من تكليف ما لا يطاق . أما مخالفو مذهبه من السنيين فيرون ارتفاع ذلك بالسمع لقوله صلى اللّه عليه وسلم : « رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه » « 3 » ؛ وذلك في تفسيره الآية : رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا [ البقرة : 286 ] . ولا يرى الزمخشري الزيغ مخلوقا لله تعالى خلافا لأهل السنة الذين يعتقدون أن كل حادث من هدى وزيغ مخلوق لله ، وإنما يرى أن العبد هو الذي يخلقه لنفسه ؛ لذا لم يدع الله تعالى بهذه الدعوة إلا محرفة إلى غير المراد كما فعل عند تفسيره قوله سبحانه : رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا [ آل عمران : 8 ] : « لا تبلنا ببلايا تزيغ فيها قلوبنا » « 4 » . ولا ريب في أن أصول الاعتزال « متمحورة » حول أهم أصل عندهم وهو التوحيد الذي ترجع إليه كل أصولهم مع عدله ؛ لذا كان سعيه واضحا في هذا الاتجاه مثل سابقيه إقرارا له وإبطالا لكل مظاهر التشبيه والتجسيم . بل عمد في بعض المواقف إلى التعريض بأهل السنة كما ذكر في الآية السابقة أيضا قائلا : « وفيه أن من ذهب إلى تشبيه أو ما يؤدي إليه كإجازة الرؤية أو ذهب إلى الجبر
--> ( 1 ) الكشاف : ج 1 ، ص 398 - 399 . ( 2 ) الكشاف : ج 1 ، ص 406 . ( 3 ) انظر الشافعي ( محمد ابن إدريس ، ت 204 ه ) ، أحكام القرآن ، تحقيق عبد الغني عبد الخالق ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، 1400 ه ، ج 1 ، ص 6 ، والسيوطي ، الدر المنثور ، ج 2 ، ص 134 - 135 . ( 4 ) الكشاف : ج 1 ، ص 413 .